سيد محمد طنطاوي
259
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم التي منحها لخليله إبراهيم ، بأمر نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم أن يتبع ملة أبيه إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى - : * ( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * . والمراد بملة إبراهيم : شريعته التي أمره اللَّه - تعالى - باتباعها في عقيدته وعبادته ومعاملاته ، وهي شريعة الإسلام ، التي عبر عنها آنفا بالصراط المستقيم في قوله - تعالى - : * ( اجْتَباه وهَداه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * . والمراد باتباع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم له في ذلك : الاقتداء به في التوحيد وفي أصول الدين ، الثابتة في كل الشرائع ، لا الفروع الشرعية التي تختلف من شريعة إلى أخرى ، بحسب المصالح التي يريدها اللَّه - تعالى - لعباده . أي : ثم أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم - بأن تتبع في عقيدتك وشريعتك * ( مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ) * أي : شريعته التي هي شريعة الإسلام . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : * ( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . . ) * في « ثم » هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وإجلال محله ، والإيذان بأن أشرف ما أوتى خليل اللَّه إبراهيم من الكرامة ، وأجل ما أوتى من النعمة ، اتباع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لملته ، من جهة أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة ، من بين سائر النعوت التي أثنى اللَّه عليه بها « 1 » . وقال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول فيما يؤدى إلى الصواب ، ولا درك على الفاضل في هذا ، فإن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أفضل الأنبياء ، وقد أمر بالاقتداء بهم ، قال - تعالى - : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه . . « 2 » وقال - سبحانه - هنا : * ( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً . . ) * « 3 » . وقوله : * ( حَنِيفاً ) * حال من إبراهيم ، أي : من المضاف إليه ، وصح ذلك لأن المضاف هنا وهو * ( مِلَّةَ ) * كالجزء من المضاف إليه وهو إبراهيم من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول ، لأن قولك : أن اتبع إبراهيم حنيفا كلام تام . . وقد أشار ابن مالك - رحمه اللَّه - إلى هذا المعنى بقوله : ولا تجز حالا من المضاف له إلا إذا اقتضى المضاف عمله
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 434 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 90 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 190 .